يؤلف جورج أتناس الموسيقى وينتجها للأفلام والمسلسلات التلفزيونية والإعلانات والألعاب. وعبر هذه الأشكال كلها، تحدّد هويته الموسيقية سمةٌ واحدة: التقاء الحسّ الموسيقي الشرقي بالأساليب الغربية في التأليف والتوزيع الأوركسترالي والإنتاج. وفي عمله لا يكون ذلك طبقة زخرفية تُضاف في النهاية، بل لغة موسيقية معاشة، تشكّلت عبر عمر من الإصغاء، وتوجّه القرارات من المسودة الأولى حتى المكساج النهائي.

لغةٌ صاغها الإصغاء

جذور هذه اللغة سيرية لا نظرية؛ فالموسيقى الكلاسيكية الغربية والأغنية الفرنسية كانتا جزءًا مما سمعه في طفولته، فيما أحاطته النشأة في اللاذقية بالعود وبالتقاليد الشعبية في بلاد الشام. ثم امتد فضوله لاحقًا إلى الموسيقى الشعبية الآلية الهندية، والموسيقى السلتية، والتقاليد الأرمنية والأذربيجانية والجورجية، والموسيقى الآسيوية القديمة.

ولأن هذه المؤثرات وصلت عبر سنوات من الإصغاء لا عبر توجيه أسلوبي واحد، فإنها لا تقيم في حجرات منفصلة؛ إذ يمكن لحسّ لحني صاغته الموسيقى الشرقية أن يتعايش مع تفكير هارموني وأوركسترالي صاغته الموسيقى الغربية داخل المقطع الموسيقي نفسه. والنتيجة ليست لصقًا لعناصر مستعارة، بل صوتًا واحدًا له أكثر من إرث.

اللحن

تبني تقاليد شرقية كثيرة التعبير داخل الخط اللحني نفسه — عبر المقامات والزخارف والتلوين الدقيق للدرجات الصوتية. أما التأليف الغربي فكثيرًا ما يطوّر التعبير عبر الهارموني والكونتربوينت والألوان الأوركسترالية. وحين يلتقي الاثنان، يمكن للّحن أن يحتفظ بانسيابه وطابعه الشرقيين، فيما تسانده الكتابة الهارمونية والأوركسترالية الغربية أو توسّعه أو تقدّم له نقيضًا.

وتكمن الحِرفة في معرفة متى ينبغي للهارموني أن يتحرّك ومتى ينبغي أن يتراجع؛ فاللحن القائم على اللون المقامي قد يفقد هويته إن أُثقل بالهارموني، أما إن أُعطي المساحة فيمكنه أن يحمل مشهدًا بمفرده.

الإيقاع

والإيقاع نقطة لقاء أخرى؛ فللدورات الإيقاعية الشرقية نبراتها الخاصة وأنماطها في الشدّ والانفراج. أما موسيقى الشاشة الغربية فكثيرًا ما تعتمد على النبض والسرعة والبنية لدفع الحركة ومواكبة المونتاج. وإذا جُمعت هذه المقاربات بعناية، أمكنها أن تمنح الموسيقى اندفاعًا يبقى متجذّرًا في ثقافة موسيقية محدّدة لا في إيقاع عام بلا هوية.

الآلات والأجواء

في اختيار الآلات يصبح هذا اللقاء أوضح ما يكون للسمع؛ فللآلات الشرقية وللأنسجة الأوركسترالية أو الإلكترونية الغربية ألوانها ودلالاتها. وإذا استُخدمت بتمعّن، أمكنها أن تخلق أجواء ذات طابع إقليمي واضح دون الوقوع في الكليشيهات، أو أجواء سينمائية واسعة دون فقدان الإحساس بالمكان.

وللإنتاج دور محوري هنا؛ فالتسجيل والطبقات الصوتية والمكساج هي التي تقرّر إن كانت الآلات المختلفة تتنافس أم تتحاور، وإن كان الصوت التقليدي يبدو حاضرًا وطبيعيًا داخل مكساج حديث.

خدمة القصة في أشكال مختلفة

لكل شكل مطالبه من الموسيقى؛ فالفيلم كثيرًا ما يحتاج إلى ثيمات وأنسجة تتطوّر عبر سرد كامل، والمسلسلات التلفزيونية تتطلب لغة موسيقية قادرة على الاستمرار والتنوّع عبر حلقات كثيرة، والإعلان يختصر فكرة في وقت قصير جدًا يجب فيه على إيماءة واحدة أن ترسّخ المزاج والهوية معًا، أما الألعاب فتطلب من الموسيقى مرافقة تجربة يصوغها اللاعب، غالبًا على مدى فترات طويلة ومواجهات متكررة.

وفي كل حالة يكون للموسيقى دور سردي قبل أن يكون لها دور أسلوبي؛ فالتقاء الشرق والغرب لا يفيد إلا حين يخدم القصة أو الشخصية أو العلامة التجارية أو التجربة التي أمام الجمهور. وهذا المبدأ يبقي المزج هادفًا: فاختيار تلوين لحني أو إيقاع أو آلة يتم لأنه يقول للجمهور شيئًا.

المزج بوصفه هوية لا طرافة

يُقدَّم المزج الثقافي أحيانًا بوصفه أمرًا طريفًا — لونًا غرائبيًا يُضاف إلى بُنى مألوفة. وفي أعمال جورج أتناس يقترب الأمر من نقيض ذلك؛ فهو الحالة الطبيعية لتفكيره الموسيقي، التي صاغتها نشأة متعددة الثقافات وعمرٌ من الإصغاء الواسع. فالحسّ الشرقي والحِرفة الغربية ليسا أسلوبين يتنقّل بينهما، بل جزءان من صوت واحد، يُوظَّف في خدمة الأفلام والتلفزيون والإعلانات والألعاب.